محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

561

الإنجاد في أبواب الجهاد

يستحقون من عقاب الله - تعالى - على ذلك ، فهو لا يتناول الديون وحقوق المال التي التزموها على وجهٍ يجيزه الشرع ، فإن هذا ثابت ، وليس مما يغفر ؛ لأنه على حدِّ الشرع ، وإنما يُهدر عنهم ما استباحوه بحال الكفر في أنواع المحرمات من دمٍ أو مالٍ ، وغير ذلك من الحدود التي لا يجيزها الشرع ، فذلك هو الذي يَبْطلُ عنهم حكمه بإسلامهم ، فلا يؤاخذون به ، عفواً من الله ومغفرة . وأما قول أبي عبيد : « لا يطالب مسلم بجزية » فصحيح ؛ بمعنى أنه لا يكلَّف الجزية بعد إسلامه ، كما كان يُكلَّفها في كفره ، وأما ما كان استقرَّ عليه من ذلك في حال الكفر ، فمطالبٌ به كسائر الدّيون ، ولا فرق في هذا فيمن أسلم ( 1 ) . فأمَّا من مات وعليه حولٌ أو أحوال ، فقد كان ينبغي أن يكون ذلك في تركته على كلِّ قول ، ومهما توجَّه الخلاف فيمن أسلم ، وعليه حولٌ أو أحوال ، فلا يصلح ذلك فيمن مات ؛ لأن أمرهما في الكفر والإسلام مختلفٌ ( 2 ) ، والأدلة التي اعترضَ بها فيمن أسلم لا تثبت فيمن مات وهو كافر ، فلا وجه للقول بسقوط ذلك عَمَّن مات بعد أن عُمِّرت ذمته . وقد زعم من قال بسقوطه عن الميت : أن ذلك ليس بدينٍ عليه ، وهذه مكابرة ، لأنَّ كُلَّ حَقٍّ في المال وجبَ بوجه شرعيٍّ متعلِّقٍ بالذِّمة ، لا في عينٍ معينة ؛ فهو ديْنٌ ، يُعرف ذلك لغةً وشرعاً ، والذمي إذا كَمَلَ حولُه على حَدٍّ ما شرط له من الوفاء بذمته ، فقد وجبت عليه ضريبة ذلك الحول بإجماع ، فذلك - ما

--> ( 1 ) الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من سقوطها عمَّن أَسْلم ؛ لعموم الأدلة في ذلك . قال أبو عبيد في « الأموال » ( 60 ) بعد سَرده بعض الآثار : أفلا ترى أن هذه الأحاديث قد تتابعت عن أئمة الهدى بإسقاط الجزية عمن أسلم ، ولم ينظروا : في أول السنة كان ذلك ، ولا في آخرها ، فهو عندنا على أن الإسلام أهدر ما كان قبله منها . ( 2 ) ومذهب الحنابلة - كما مضى - التفريق بين الإسلام والموت ، بينما يسقطها المالكية والحنفية عمَّن مات ، ويوجبها الشافعية بعد موته من تركته . انظر : « المدونة » ( 1 / 242 ) ، « التفريع » ( 1 / 363 ) ، « عيون المجالس » ( 2 / 757 ) ، « مختصر الطحاوي » ( 294 ) ، « الهداية » ( 2 / 454 ) ، « روضة الطالبين » ( 10 / 312 ) ، « مغني المحتاج » ( 4 / 249 ) ، « المحرر » ( 2 / 184 ) ، « الإنصاف » ( 4 / 228 ) ، « المغني » ( 13 / 222 ) .